غانم قدوري الحمد

45

رسم المصحف

الحيرة ودومة الجندل ؟ ليس هناك ما ينفي أن تكون الكتابة العربية قد دخلت الحجاز من الأنحاء الشمالية مباشرة ، خاصة أن العديد من الكتابات النبطية جاءت من الإقليم الشمالي لبلاد الحجاز ، من الحجر ( مدائن صالح ) والعلا وتيماء ، هذا إضافة إلى الاتصال التجاري المستمر بين أهل الحجاز وبلاد الشام . فارتباط الحجاز بالطرف الجنوبي من بلاد الأنباط ، وكون الكثير من النقوش النبطية من ذلك الإقليم ، والاتصال المستمر بينها كلها عوامل مشجعة لتطور كتابة عربية في ذلك الإقليم « 1 » . ولا شك أن الدلائل - الآن - غير كافية لإعطاء حكم قاطع في كل ذلك ، وتبقى الروايات العربية وما تدل النقوش القليلة من نتائج مقبولة إلى حد ما . أما زمن نشوء الكتابة العربية وتاريخ استوائها وانتقالها إلى الحجاز فإن المصادر العربية تربط ذلك بأسماء عدة رجال ، فواضعو الكتابة ثلاثة نفر من طيء من أهل الأنبار ، وناقلها إلى مكة إما بشر بن عبد الملك تعلمها من أهل الحيرة « 2 » ، أو من أهل الأنبار « 3 » . وإما حرب بن أمية ، أو سفيان وأبو قيس بن عبد مناف ، تعلموها من بشر بن عبد الملك أو من أهل الحيرة أو من واضعيها « 4 » . وهذه الرواية تعني أن انتقال الكتابة إلى الحجاز قد تم قبل الإسلام ، فبشر بن عبد الملك هو أخو أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل التي غزاها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرا من مهاجره ، ففر أهلها ، ولم يجد المسلمون فيها أحدا « 5 » . وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم خالد بن الوليد من تبوك إلى دومة الجندل فقدم بأكيدر على رسول اللّه ، فحقن له دمه ، وصالحه على الجزية ، ثم خلى سبيله ، فرجع إلى قريته « 6 » . كذلك فإن سفيان وحربا وأبا قيس هم من مشهوري رجال مكة ، حتى إن ابن

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 8 و 12 . ( 2 ) البلاذري ، ص 476 . ( 3 ) ابن أبي داود ، ص 4 . والسيوطي : المزهر ، ج 2 ، ص 346 . ( 4 ) انظر البلاذري : ص 276 ، والجهشياري ، ص 1 . وابن النديم ، ص 5 . والقلقشندي ، ج 3 ، ص 14 . ( 5 ) الواقدي : ج 1 ، ص 402 . وابن سعد ، ج 2 ، ص 62 . ( 6 ) الواقدي : ج 2 ، ص 526 . وابن سعد ، ج 3 ، ص 1025 .